العاملي

369

الانتصار

ابْتَعَثَهُ اللهُ إتْماماً لأَمْرِهِ ، وَعَزِيمَةً عَلى إِمْضاءِ حُكْمِهِ ، وَإنفاذَاً لِمَقَادِيرِ حَتْمِهِ ، فَرَأى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أدْيانِها ، عُكَّفاً عَلى نِيرانِها ، عَابِدَةً لأِوْثانِها ، مُنْكِرَةً للهِ مَعَ عِرْفانِها ، فَأنارَ اللهُ بِأَبي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ظُلَمَها ، وَكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَها ، وَجَلا عَنِ الأَبْصارِ عَمَهَا ، وعن الأنْفُس غُمَمَها ، وَقامَ فِي النَاسِ بِالهِدايَةِ ، فَأنْقَذَهُمْ مِنَ الغَوايَةِ ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ العَمايَةِ ، وَهَداهُمْ إلى الدينِ القَويِمِ ، وَدَعَاهُمْ إِلى الصراطِ المُسْتَقِيمِ . ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إلَيْهِ قَبْضَ رَأفَةٍ وَاخْتِيارٍ ، وَرَغْبَةٍ وَإيثارٍ ، فَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله فِي راحَةٍ مِنْ تَعَبِ هذِهِ الدّارِ ، مَوضُوعَاً عَنْهُ أعْباءُ الأَوْزارِ ، وَمَحْفُوفَاً بِالْملاَئِكَةِ الأَبْرارِ ، وَرِضْوانِ الربِّ الغَفَّارِ ، وَمُجاوَرَةِ المَلِكِ الجَبَّارِ ، صَلَّى الله على أبي نَبِيِّهِ وَأمِينِهِ عَلى الَوحْي وَصَفِيهِ ، وَخِيَرَتِهِ مِنَ الخَلْقِ وَرَضِيّهِ ، وَالسَّلامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ . ثمّ التفتت عليها السلام إلى أهل المجلس وقالت : وأنْتُم عِبادَ اللهِ نَصْبُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَحَمَلَةُ دِينِهِ وَوَحْيِهِ ، وَأُمَناءُ اللهِ عَلى أنْفُسِكُمْ ، وَبُلَغاؤُهُ إلى الأُمَمِ حولكم ، زَعِيمُ حَقّ لهُ فيكُمْ ، وَعَهْدٌ قَدَّمَهُ إلَيْكُمْ . . وَنحن بَقِيَّةٌ اسْتَخْلَفَها عَلَيْكُمْ ، ومعنا كِتابُ اللهِ النَّاطِقُ ، وَالقُرآنُ الصَّادِقُ ، وَالضياءُ اللاَّمِعُ ، بَيّنَةٌ بَصائِرُهُ ، مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ ، مَتَجَليَّةٌ ظَواهِرُهُ ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أشْياعُهُ ، قَائِدٌ إلى الرضْوانِ أتْباعُهُ ، مُؤَدٍّ إلى النَجاةِ اسْتِماعُهُ , بِهِ تُنالُ حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ ، وعَزَائِمُهُ المُفَسَّرَةُ ، وَمَحارِمُهُ الُمحَذَّرَةُ ، وَبَيناتُهُ الجَالِيَةُ ، وَبَراهِينُهُ الكَافِيَةُ ، وَفَضَائِلُهُ المَنْدُوبَةُ ، وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ ، وَشَرائِعُهُ المَكْتُوبَةُ . فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطْهِيراً لَكُمْ مِنَ الشركِ ، وَالصَلاةَ تَنْزِيَهاً لَكُمْ عَنِ الكِبْرِ ، وَالزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً فِي الرزْقِ ، وَالصيامَ تَثْبِيتا لِلإِخْلاصِ ، وَالحَجَّ تَشْيِيداً